فصل: الآية رقم ‏(‏34 ‏:‏ 35‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 سورة الحج

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 2‏)‏

‏{‏ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ‏.‏ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ‏}‏

يقول تعالى آمراً عباده بتقواه، ومخبراً لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم، كما قال تعالى‏:‏ إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة‏}‏ الآية، فقال قائلون‏:‏ هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة، عن علقمة في قوله ‏{‏إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏}‏ قال‏:‏ قبل الساعة ‏"‏ذكره ابن جرير وابن أبي حاتم عن إبراهيم عن علقمة‏"‏‏.‏ وعن عامر الشعبي قال‏:‏ هذا في الدنيا قبل يوم القيامة، وقد أورد الإمام ابن جرير في حادث الصور عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏)‏إن اللّه لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر‏)‏‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ وما الصور‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏قرن‏)‏، قال‏:‏ فكيف هو‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات‏:‏ الأول نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر اللّه إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول‏:‏ انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء اللّه، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق‏}‏، فتسير الجبال فتكون تراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً وهي التي يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة‏}‏، فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ويولي الناس مدبرين ينادي بعضُهم بعضاً وهي التي يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من اللّه من عاصم ومن يضلل اللّه فما له من هاد‏}‏‏.‏ فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر ورأوا أمراً عظيماً، فأخذهم لذلك من الكرب ما اللّه أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها وانتثرت نجومها ثم كشطت - عنهم - قال رسول اللّه صلى اللّه عليه

وسلم‏:‏ ‏(‏والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك‏)‏، قال أبو هريرة‏:‏ فمن استثنى اللّه حين يقول‏:‏ ‏{‏ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم اللّه شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب اللّه يبعثه على شرار خلقه وهو الذي يقول اللّه‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد‏}‏‏)‏ ‏"‏الحديث رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم‏"‏‏.‏ وهذا الحديث دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال أشراط الساعة ونحو ذلك واللّه أعلم‏.‏

وقال آخرون‏:‏ بل ذلك هول وفزع وزلزال كائن قبل يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث‏:‏

‏"‏الحديث الأول‏"‏‏:‏ عن عمران بن حصين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم - إلى قوله - ولكن عذاب اللّه شديد‏}‏ قال‏:‏ نزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال‏:‏ ‏(‏أتدرون أي يوم ذلك‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ اللّه ورسوله أعلم، قال‏:‏ ‏(‏ذلك يوم يقول اللّه لآدم ابعث بعث النار، قال‏:‏ يا رب وما بعث النار‏؟‏ قال‏:‏ تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة‏)‏، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة‏)‏، فكبروا، ثم قال‏:‏ ‏(‏إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة‏)‏، فكبروا، ثم قال‏:‏ ‏(‏إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة‏)‏، فكبروا، ثم قال‏:‏ ولا أدري أقال الثلثين أم لا‏؟‏ ‏"‏الحديث أخرجه الترمذي والإمام أحمد عن عمران بن حصين، وقال الترمذي‏:‏ حديث صحيح‏"‏‏.‏

‏"‏الحديث الثاني‏"‏‏:‏ قال البخاري عند تفسير هذه الآية، عن أبي سعيد الخدري قال، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول اللّه تعالى يوم القيامة‏:‏ يا آدم، فيقول‏:‏ لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت إن اللّه يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال‏:‏ يا رب وما بعث النار‏؟‏ قال‏:‏ من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد ‏{‏وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد‏}‏‏)‏، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال‏:‏ ثلث أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال‏:‏ شطر أهل الجنة‏)‏، فكبرنا ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري‏"‏‏.‏

‏"‏الحديث الثالث‏"‏‏:‏ عن عائشة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنكم تحشرون إلى اللّه يوم القيامة حفاة عراة غرلاً‏)‏، قالت عائشة‏:‏ يا رسول اللّه الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، قال‏:‏ ‏(‏يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك‏)‏ ‏"‏أخرجاه في الصحيحين ورواه الإمام أحمد، وفي رواية‏:‏ إن الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض‏"‏‏.‏

‏"‏الحديث الرابع‏"‏‏:‏ عن عائشة قالت، قلت‏:‏ يا رسول اللّه هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فيطوى عليهم ويتغيظ عليهم ويقول ذلك العنق‏:‏ وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن ادعى مع اللّه إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد - قال‏:‏ فينطوي عليهم ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر وأحد من السيف عليه كلاليب وحسك يأخذان من شاء اللّه، والناس عليه كالبرق وكالطرف وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون‏:‏ يا رب سلم سلم، فناج مسلَّم ومخدوش مسلَّم، ومكور في النار على وجهه‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد عن عائشة رضي اللّه عنها‏"‏‏.‏ والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جداً لها موضع آخر، ولهذا قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏}‏ أي أمر عظيم وخطب جليل، والزلزال هو ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا‏}‏، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم ترونها‏}‏ هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسراً له‏:‏ ‏{‏تذهل كل مرضعة عما أرضعت‏}‏ أي فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق الناس عليه تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كل مرضعة‏}‏ ولم يقل مرضع، وقال ‏{‏عما أرضعت‏}‏ أي عن رضعيها وفطامه، وقوله‏:‏ ‏{‏وتضع كل ذات حمل حملها‏}‏ أي قبل تمامه لشدة الهول ‏{‏وترى الناس سكارى‏}‏ أي من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى ‏{‏وما هم بسكارى ولكنّ عذاب اللّه شديد‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏3 ‏:‏ 4‏)‏

‏{‏ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ‏.‏ كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ‏}‏

يقول تعالى ذاماً لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة اللّه على إحياء الموتى ‏{‏ومن الناس من يجادل في اللّه بغير علم‏}‏ أي علم صحيح، ‏{‏ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه‏}‏ قال مجاهد يعني الشيطان، يعني كتب عليه كتابة قدرية ‏{‏أنه من تولاه‏}‏ أي اتبعه وقلده ‏{‏فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير‏}‏ أي يضله في الدنيا ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المزعج، قال السدي‏:‏ نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، وروى أبو كعب المكي قال‏:‏ قال خبيث من خبثاء قريش‏:‏ أخبرنا عن ربكم من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو، فتقعقعت السماء قعقعة - والقعقعة في كلام العرب الرعد - فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب المكي‏"‏، وقال مجاهد‏:‏ جاء يهودي فقال يا محمد‏:‏ أخبرني عن ربك، من أي شيء هو‏؟‏ من در أم من ياقوت‏؟‏ قال‏:‏ فجاءت صاعقة فأخذته‏.‏

 الآية رقم ‏(‏5 ‏:‏ 7‏)‏

‏{‏ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ‏.‏ ذلك بأن اللهو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير ‏.‏ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ‏}‏

لما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد، بما يشاهد من بدئه للخلق فقال‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس إن كنتم في ريب‏}‏ أي في شك، ‏{‏من البعث‏}‏ وهو المعاد، وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة، ‏{‏فإنا خلقناكم من تراب‏}‏ أي أصل برئه لكم من تراب وهو الذي خلق منه آدم عليه السلام، ‏{‏ثم من نطفة‏}‏ أي ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ‏{‏ثم من علقة ثم من مضغة‏}‏، وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة مكثت أربعين يوماً كذلك يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن اللّه فتمكث كذلك أربعين يوماً، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء، فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة‏}‏ أي كما تشاهدونها، ‏{‏لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى‏}‏ أي وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مخلقة وغير مخلقة‏}‏ قال‏:‏ هو السقط مخلوق وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يوماً وهي مضغة أرسل اللّه تعالى ملكاً إليها فنفخ فيها الروح وسوَّاها كما يشاء اللّه عزَّ وجلَّ، من حسن وقبح وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال‏:‏ حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو الصادق المصدوق‏:‏ ‏(‏إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللّه إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح‏)‏‏.‏

وروى ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن مسعود قال‏:‏ النطفة إذا استقرت في الرحم جاءها ملك بكفه، فقال‏:‏ يا رب مخلقة أو غير مخلقة‏؟‏ فإن قيل‏:‏ غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دماً، وإن قيل‏:‏ مخلقة، قال‏:‏ أي رب ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، ما الأجل وما الأثر‏؟‏ وبأي أرض يموت‏؟‏ قال، فيقال للنطفة من ربك‏؟‏ فتقول‏:‏ اللّه، فيقال من رازقك‏؟‏ فتقول‏:‏ اللّه، فيقال له‏:‏ اذهب إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال‏:‏ فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها، وتطأ أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك؛ ثم تلا عامر الشعبي‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبد اللّه بن مسعود‏"‏، وقال ابن أبي حاتم، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين يوماً أو خمس وأربعين فيقول‏:‏ أي رب أشقي أم سعيد‏؟‏ فيقول اللّه، ويكتبان فيقول‏:‏ أذكر أم أنثى‏؟‏ فيقول اللّه، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم ورواه مسلم بنحو معناه‏"‏‏.‏ ‏{‏ثم نخرجكم طفلا‏}‏ أي ضعيفاً في بدنه وسمعه وبصره وحواسه، ثم يعطيه اللّه القوة شيئاً فشيئاً، ويلطف به ويحنن عليه والديه، ولهذا قال ‏{‏ثم لتبلغوا أشدكم‏}‏ أي بتكامل القوى، ويتزايد ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر، ‏{‏ومنكم من يتوفى‏}‏ أي في حال شبابه وقواه، ‏{‏ومنكم من يرد إلى أرذل العمر‏}‏ وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لكيلا يعلم من بعد علم شيئا‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وترى الأرض هامدة‏}‏ هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى، كما يحيي الأرض الميتة الهامدة وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء، وقال قتادة‏:‏ غبراء متهشمة، وقال السدي‏:‏ ميتة، ‏{‏فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج‏}‏‏:‏ أي فإذا أنزل اللّه عليها المطر ‏{‏اهتزت‏}‏ أي تحركت بالنبات وحييت بعد موتها، ‏{‏وربت‏}‏ أي ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من ثمار وزروع، وأشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأنبتت من كل زوج بهيج‏}‏ أي حسن المنظر طيب الريح، وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأن اللّه هو الحق‏}‏ أي الخالق المدبر الفعال لما يشاء، ‏{‏وأنه يحيي الموتى‏}‏ أي كما أحيا الأرض الميتة وأنبت منها هذه الأنواع ‏{‏إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير‏}‏ ‏{‏إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون‏}‏، ‏{‏وأن الساعة آتية لا ريب فيها‏}‏ أي كائنة لا شك فيها ولا مرية، ‏{‏وأن اللّه يبعث من في القبور‏}‏ أي يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمماً ويوجدهم بعد العدم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهوبكل شيء عليم‏}‏ والآيات في هذا كثيرة‏.‏ وقد روى الإمام أحمد، عن لقيط بن عامر أنه قال‏:‏ يا رسول اللّه أكلنا يرى ربه عزَّ وجلَّ يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أليس كلكم ينظر إلى القمر مخلياً به‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ بلى، قال‏:‏ فاللّه أعظم، قال، قلت‏:‏ يا رسول اللّه كيف يحيي اللّه الموتى وما آية ذلك في خلقه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أما مررت بوادي أهلك ممحلاً‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ ‏(‏ثم مررت به يهتز خضراً‏)‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ ‏(‏فكذلك يحيي اللّه الموتى وذلك آيته في خلقه‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه‏"‏‏.‏ وقال ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال‏:‏ من علم أن اللّه هو الحق المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور؛ دخل الجنة ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل‏"‏‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏8 ‏:‏ 10‏)‏">

الآية رقم ‏(‏8 ‏:‏ 10‏)‏

‏{‏ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ‏.‏ ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ‏.‏ ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد ‏}‏

لما ذكر تعالى حال الضلاَّل الجهَّال المقلدين في قوله‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد‏}‏ ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلالة من رؤوس الكفر والبدع، فقال‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير‏}‏ أي بلا عقل صحيح، ولا نقل صريح، بل بمجرد الرأي والهوى، وقوله‏:‏ ‏{‏ثاني عطفه‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ مستكبراً عن الحق إذا دعي إليه، وقال مجاهد وقتادة‏:‏ لاوي عطفه وهي رقبته يعني يعرض عما يدعي إليه من الحق، ويثني رقبته استكباراً، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏ليضل عن سبيل اللّه‏}‏ قال بعضهم‏:‏ هذه لام العاقبة لأنه قد لا يقصد ذلك، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏له في الدنيا خزي‏}‏ وهو الإهانة والذل كما أنه لما استكبر عن آيات اللّه لقّاه اللّه المذلة في الدنيا وعاقبه فيها قبل الآخرة، لأنها أكبر همه ومبلغ علمه

‏{‏ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق‏.‏ ذلك بما قدمت يداك‏}‏ أي يقال له هذا تقريعاً وتوبيخاً ‏{‏وأن اللّه ليس بظلام للعبيد‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذق إنك العزيز الكريم * إن هذا ما كنتم به تمترون‏}‏‏.‏ عن الحسن قال‏:‏ بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم‏"‏‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏11 ‏:‏ 13‏)‏">

الآية رقم ‏(‏11 ‏:‏ 13‏)‏

‏{‏ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ‏.‏ يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد ‏.‏ يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير‏}‏

قال مجاهد‏:‏ ‏{‏على حرف‏}‏ على شك، وقال غيره‏:‏ على طرف، ومنه حرف الجبل أي ظرفه، أي دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر وإلا انشمر، عن ابن عباس ‏{‏ومن الناس من يعبد اللّه على حرف‏}‏ قال‏:‏ كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال‏:‏ هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال‏:‏ هذا دين سوء ‏"‏أخرجه البخاري في صحيحه‏"‏‏.‏ وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال‏:‏ كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى اللّه عليه وسلم فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب، وعام ولاد حسن قالوا‏:‏ إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا‏:‏ ما في ديننا هذا خير، فأنزل اللّه على نبيه‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأن به‏}‏ الآية‏.‏ وهكذا ذكر قتادة والضحّاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية، وقال عبد الرحمن بن زيد‏:‏ هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر ‏"‏في اللباب‏:‏ وكذلك أخرج ابن مردويه‏:‏ أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم بالإسلام، فقال‏:‏ لم أصب من ديني هذا خيراً، فنزلت‏:‏ ‏{‏ومن الناس‏}‏ الآية‏"‏، وقال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏انقلب على وجهه‏}‏ أي ارتد كافراً، وقوله‏:‏ ‏{‏خسر الدنيا والآخرة‏}‏ أي فلا هو حصل من الدنيا على شيء، واما الآخرة فقد كفر باللّه العظيم فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك هو الخسران المبين‏}‏ أي هذه الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة، وقوله‏:‏ ‏{‏يدعو من دون اللّه ما لا يضره وما لا ينفعه‏}‏ أي من الأصنام والأنداد يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها وهي لا تنفعه ولا تضره ‏{‏ذلك هو الضلال البعيد‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يدعو لمن ضره أقرب من نفعه‏}‏ أي ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن، وقوله‏:‏ ‏{‏لبئس المولى ولبئس العشير‏}‏ قال مجاهد‏:‏ يعني الوثن، يعني بئس هذا الذي دعاه من دون اللّه مولى، يعني ولياً وناصراً، ‏{‏وبئس العشير‏}‏ وهو المخالط والمعاشر، واختار ابن جرير أن المراد‏:‏ لبئس ابن العم والصاحب، ‏{‏من يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه‏}‏ وقوله مجاهد‏:‏ إن المراد به الوثن أولى وأقرب إلى سياق الكلام، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏14‏)‏

‏{‏ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد ‏}‏

لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات في روضات الجنات، ولما ذكر تعالى أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء قال‏:‏ ‏{‏إن اللّه يفعل ما يريد‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏15 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏ من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ‏.‏ وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد ‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ من كان يظن أن لن ينصر اللّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب أي بحبل ‏{‏إلى السماء‏}‏ أي سماء بيته، ‏{‏ثم ليقطع‏}‏ يقول‏:‏ ثم ليختنق به، وقال عبد الرحمن بن زيد‏:‏ ‏{‏فليمدد بسبب إلى السماء‏}‏، أي ليتوصل إلى بلوغ السماء فإن النصر إنما يأتي محمداً من السماء، ‏{‏ثم ليقطع‏}‏ ذلك عنه إن قدر على ذلك، وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في التهكم، فإن المعنى‏:‏ من كان يظن أن اللّه ليس بناصر محمد وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه فإن اللّه ناصره لا محالة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدينا ويوم يقوم الأشهاد‏}‏ الآية، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ‏}‏ قال السدي‏:‏ يعني من شأن محمد صلى اللّه عليه وسلم، وقال عطاء الخراساني‏:‏ فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ، وقوله‏:‏ ‏{‏وكذلك أنزلناه‏}‏ أي القرآن ‏{‏آيات بينات‏}‏ أي واضحات في لفظها ومعناها حجة من اللّه على الناس، ‏{‏وأن اللّه يهدي من يريد‏}‏ أي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة القاطعة في ذلك، ‏{‏لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏17‏)‏

‏{‏ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ‏}‏

يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين، ومن سواهم من اليهود والصابئين تقدم في سورة البقرة التعريف بهم واختلاف الأقوال فيهم فارجع إليه هناك‏"‏، والنصارى والمجوس، والذين أشركوا فعبدوا مع اللّه غيره فإنه تعالى ‏{‏يفصل بينهم يوم القيامة‏}‏ ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تكن ضمائرهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏18‏)‏

‏{‏ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ‏}‏

يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعاً وكرهاً، وسجود كل شيء مما يختص به كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم يروا إلى ما خلق اللّه من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا للّه وهم داخرون‏}‏ وقال ههنا ‏{‏ألم تر أن اللّه يسجد له من في السماوات ومن في الأرض‏}‏، أي من الملائكة في أقطار السماوات، والحيوانات في جميع الجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، ‏{‏وإن من شيء إلا يسبّح بحمده‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏والشمس والقمر والنجوم‏}‏ إنما ذكر هذه على التنصيص لأنها قد عبدت من دون اللّه، فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة، ‏{‏لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا للّه الذي خلقهن‏}‏ الآية‏.‏ وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال، قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أتدري أين تذهب هذه الشمس‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ اللّه ورسوله أعلم، قال‏:‏ ‏(‏فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت‏)‏‏.‏ وفي حديث الكسوف‏:‏ ‏(‏إن الشمس والقمر خلقان من خلق اللّه وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن اللّه عزَّ وجلَّ إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏"‏‏.‏

وقال أبو العالية‏:‏ ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع للّه ساجداً حين يغيب ثم ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه، وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل‏.‏ وعن ابن عباس قال‏:‏ جاء رجل فقال‏:‏ يا رسول اللّه إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدتُ، فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول‏:‏ اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، قال ابن عباس‏:‏ فقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سجدة، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة ‏"‏رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والدواب‏}‏ أي الحيوانات، كلها، وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، فرب مركوبة خير وأكثر ذكراً للّه تعالى من راكبها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وكثير من الناس‏}‏ أي يسجد للّه طوعاً مختاراً متعبداً بذلك، ‏{‏وكثير حق عليه العذاب‏}‏ أي ممن امتنع وأبى واستكبر، ‏{‏ومن يهن اللّه فما له من مكرم إن اللّه يفعل ما يشاء‏}‏‏.‏ وقال ابن أبي حاتم‏:‏ قيل لعلي إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة، فقال له علي‏:‏ يا عبد اللّه، خلقك اللّه كما يشاء أو كما شئت‏؟‏ قال‏:‏ بل كما شاء، قال‏:‏ فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت‏؟‏ قال‏:‏ بل إذا شاء، قال‏:‏ فشفيك إذا شاء أو إذا شئت‏؟‏ قال‏:‏ بل إذا شاء، قال‏:‏ فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء، قال‏:‏ بل حيث يشاء‏.‏ قال‏:‏ واللّه لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وعن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد لها اعتزل الشيطان يبكي يقول‏:‏ يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم في صحيحه‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏19 ‏:‏ 22‏)‏

‏{‏ هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم ‏.‏ يصهر به ما في بطونهم والجلود ‏.‏ ولهم مقامع من حديد ‏.‏ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق ‏}‏

ثبت في الصحيحين عن أبي ذر أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية ‏{‏هذان خصمان اختصموا في ربهم‏}‏ نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر ‏"‏هذا لفظ البخاري في كتاب التفسير‏"‏، وروى البخاري عن علي بن أبي طالب أنه قال‏:‏ أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس‏:‏ وفيهم نزلت‏:‏ ‏{‏هذان خصمان اختصموا في ربهم‏}‏ قال‏:‏ هم الذين بارزوا يوم بدر‏:‏ علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة‏.‏ وقال قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏هذان خصمان اختصموا في ربهم‏}‏ قال‏:‏ اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب‏:‏ نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى باللّه منكم، وقال المسلمون‏:‏ كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى باللّه منكم فأفلج اللّه الإسلام على من نأواه، وأنزل‏:‏ ‏{‏هذان خصمان اختصموا في ربهم‏}‏‏.‏ وقال مجاهد في هذه الآية‏:‏ مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث، وقال مجاهد وعطاء في هذه الآية‏:‏ هم المؤمنون والكافرون‏.‏ وقال عكرمة ‏{‏هذان خصمان اختصموا في ربهم‏}‏ قال‏:‏ هي الجنة والنار، قالت النار‏:‏ اجعلني للعقوبة، وقالت الجنة‏:‏ اجعلني للرحمة، وقول مجاهد وعطاء إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين اللّه عزَّ وجلَّ، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير وهو حسن، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار‏}‏ أي فصللت لهم مقطعات من النار، قال سعيد بن جبير‏:‏ من نحاس وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي ‏{‏يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود‏}‏ أي إذا صب على رؤوسهم الحميم وهو الماء الحار في غاية الحرارة، وقال سعيد بن جبير‏:‏ هو النحاس المذاب أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم ، وكذلك تذوب جلودهم‏.‏

عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان‏)‏ ‏"‏رواه ابن جرير والترمذي وقال‏:‏ حسن صحيح وأخرجه ابن أبي حاتم بنحوه‏"‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرّهه، قال‏:‏ فيرفع مقمعه معه فيضرب بها رأسه، فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏يصهر به ما في بطونهم والجلود‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولهم مقامع من حديد‏}‏، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري‏"‏‏.‏ وروى الإمام أحمد‏:‏ عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان، ولو أن دلواً من غسَّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد في المسند‏"‏، وقال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ولهم مقامع من حديد‏}‏ قال‏:‏ يضربون بها فيقع كل عضو على حياله فيدعون بالثبور، وقوله‏:‏ ‏{‏كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها‏}‏، قال سلمان‏:‏ النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها‏}‏، وقال زيد بن أسلم في هذه الآية‏:‏ بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون، وقال الفضيل بن عياض‏:‏ واللّه ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها، وقوله‏:‏ ‏{‏وذوقوا عذاب الحريق‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون‏}‏، ومعنى الكلام أنهم يهانون بالعذاب قولاً وفعلاً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏23 ‏:‏ 24‏)‏

‏{‏ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ‏.‏ وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ‏}‏

لما أخبر تعالى عن حال أهل النار، و ما هم فيه من العذاب والنكال، والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار، ذكر حال أهل الجنة فقال‏:‏ ‏{‏إن اللّه يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار‏}‏ أي تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها يصرفونها حيث شاءوا وأين أرادوا، ‏{‏يحلون فيها‏}‏ من الحلية، ‏{‏من أساور من ذهب ولؤلؤا‏}‏ أي في أيديهم، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث المتفق عليه‏:‏ ‏(‏تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولباسهم فيها حرير‏}‏ في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير استبرقه وسندسه، كما قال‏:‏ ‏{‏عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق‏}‏، وفي الصحيح‏:‏ ‏(‏لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة‏)‏، وقال عبد اللّه بن الزبير‏:‏ من لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولباسهم فيها حرير‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وهدوا إلى الطيب من القول‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما‏}‏ فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، ‏{‏ويلقون فيها تحية وسلاما‏}‏ لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون فيه ويقرعون به، يقال لهم‏:‏ ‏{‏ذوقوا عذاب الحريق‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وهدوا إلى صراط الحميد‏}‏ أي إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم، وأنعم به واسداه إليهم، كما جاء في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏أنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس‏)‏، وقد قال بعض المفسرين في قوله‏:‏ ‏{‏وهدوا إلى الطيب من القول‏}‏ أي القرآن، وقيل‏:‏ لا إله إلا اللّه، وقيل‏:‏ الأذكار المشروعة، ‏{‏وهدوا إلى صراط الحميد‏}‏ أي الطريق المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏25‏)‏

‏{‏ إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ‏}‏

يقول تعالى منكراً على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام وقضاء مناسكهم فيه، ‏{‏إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل اللّه والمسجد الحرام‏}‏ أي ومن صفتهم أنهم مع كفرهم يصدون عن سبيل اللّه والمسجد الحرام، أي ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين، الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وقوله‏:‏ ‏{‏الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد‏}‏ أي يمنعون عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله اللّه للناس لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه، ‏{‏سواء العاكف فيه والباد‏}‏، ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها، كما قال ابن عباس‏:‏ ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام؛ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏سواء العاكف فيه والباد‏}‏ أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل، وقال قتادة‏:‏ سواء فيه أهله وغير أهله؛ وهذه المسألة هي التي اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف وأحمد بن حنبل حاضر أيضاً‏.‏ فذهب رحمه اللّه إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري عن أسامة بن زيد قال، قلت‏:‏ يا رسول اللّه أتنزل غداً في دارك بمكة‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏وهل ترك لنا عقيل من رباع‏)‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر‏)‏ ‏"‏هذا الحديث مخرج في الصحيحين‏"‏، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية داراً بمكة فجعلها سجناً بأربعة آلاف درهم، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، واحتج إسحاق بن راهويه بما روي عن علقمة بن نضلة قال‏:‏ توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن ‏"‏رواه ابن ماجه عن علقمة بن نضلة‏"‏‏.‏ وقال عبد اللّه بن عمرو‏:‏ لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها، وكان عطاء يهنى عن الكراء في الحرم‏.‏ وقال عمر بن الخطاب‏:‏ يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث يشاء، وروى الدار قطني عن عبد اللّه بن عمرو موقوفاً‏:‏ ‏(‏من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً‏:‏، وتوسط الإمام أحمد فقال‏:‏ تملك ولا تورث ولا تؤجر جمعاً بين الأدلة واللّه أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم‏}‏ قال بعض المفسرين‏:‏ الباء ههنا زائدة، كقوله‏:‏ ‏{‏تنبت بالدهن‏}‏ أي تنبت الدهن، وكذا قوله‏:‏ ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد‏}‏ تقديره إلحاداً‏.‏ والأجود أنه ضمن الفعل ههنا بمعنى يهم، ولهذا عداه بالباء فقال‏:‏ ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد‏}‏ أي يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار، وقوله‏:‏ ‏{‏بظلم‏}‏ أي عامداً قاصداً أنه ظلم ليس بمتأول، وقال ابن عباس‏:‏ بظلم بشرك، وقال مجاهد‏:‏ أن يعبد فيه غير اللّه، وكذا قال قتادة وغير واحد‏.‏ وقال العوفي عن ابن عباس‏:‏ بظلم هو أن تستحل من الحرم ما حرم اللّه عليك من إساءة أو قتل فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ بظلم يعلم فيه عملاً سيئاً، وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر إذا كان عازماً عليه وإن لم يوقعه كما قال ابن مسعود‏:‏ لو أن رجلاً أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه اللّه من العذاب الأليم ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفاً‏"‏‏.‏ وقال الثوري عن عبد اللّه بن مسعود قال‏:‏ ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه ولو أن رجلاً بعدن أبين هم أن يقتل رجلاً بهذا البيت لأذاقه اللّه من العذاب الأليم؛ وقال سعيد بن جبير‏:‏ شتم الخادم ظلم فما فوقه؛ وقال ابن عباس في قول اللّه‏:‏ ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏}‏ قال‏:‏ نزلت في عبد اللّه بن أنيس، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد اللّه بن أنيس فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة، فنزلت فيه‏:‏ ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏}‏ يعني من لجأ إلى الحرم بإلحاد يعني بميل عن الإسلام‏.‏ وهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها؛ ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل اللّه عليهم ‏{‏طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول‏}‏ أي دمرهم وجعلهم عبرة ونكالاً لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم‏)‏ وعن سعيد بن عمرو قال‏:‏ أتى عبدُ اللّه بن عمر عبدَ اللّه بن الزبير وهو جالس في الحجر فقال‏:‏ يا ابن الزبير إياك والإلحاد في الحرم، فإني أشهد لسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏يحلها ويحل به رجل من قريش لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها‏)‏ قال‏:‏ فانظر لا تكن هو ‏"‏أخرجه الإمام أحمد‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏26 ‏:‏ 27‏)‏

‏{‏ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ‏.‏ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ‏}‏

ذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت أي أرشده إليه، وسلمه له وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال إن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت العتيق وأنه لم يبن قبله، كمت ثبت في الصحيحين عن أبي ذر قلت‏:‏ يا رسول اللّه أي مسجد وضع أول‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏المسجد الحرام‏)‏ قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بيت المقدس‏)‏ قلت‏:‏ كم بينهما‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أربعون سنة‏)‏، وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إن أول بيت وضع للناس للَّذي ببكة مباركا‏}‏ الآيتين، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفي والعاكفين والركع السجود‏}‏ وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته ههنا، وقال تعالى ههنا‏:‏ ‏{‏أن لا تشرك بي شيئا‏}‏ أي ابنه على اسمي وحدي ‏{‏وطهر بيتي‏}‏ قال مجاهد‏:‏ من الشرك ‏{‏للطائفين والقائمين والركع السجود‏}‏ أي اجعله خالصاً لهؤلاء الذين يعبدون اللّه وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها ‏{‏والقائمين‏}‏ أي في الصلاة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏والركع السجود‏}‏ فقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأذن في الناس بالحج‏}‏ أي ناد في الناس بالحج داعياً لهم لحج هذا البيت الذي أمرناك ببنائه فذكر أنه قال‏:‏ يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم‏؟‏ فقال‏:‏ ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال‏:‏ يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال‏:‏ إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب اللّه أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك؛ هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف واللّه أعلم، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة، وقوله‏:‏ ‏{‏يأتوك رجالا وعلى كل ضامر‏}‏ ‏"‏الضامر‏:‏ البعير الذي قد هزل من كثرة المشي‏"‏الآية‏.‏ قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشياً لمن قدر عليه أفضل من الحج راكباً لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم، وقال ابن عباس‏:‏ ما أساء على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ماشياً، لأنه اللّه يقول‏:‏ ‏{‏يأتوك رجالا‏}‏، والذي عليه الأكثرون أن الحج راكباً أفضل اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإنه حج راكباً مع كمال قوته عليه السلام‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يأتين من كل فج‏}‏ يعني طريق، كما قال‏:‏ ‏{‏وجعلنا فيها فجاجا سبلا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏عميق‏}‏ أي بعيد، وهذه الآية كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم‏}‏، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، والناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار‏.‏

 الآية رقم ‏(‏28 ‏:‏ 29‏)‏

‏{‏ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ‏.‏ ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ‏}‏

قال ابن عباس ‏{‏ليشهدوا منافع لهم‏}‏، قال‏:‏ منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان اللّه تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات، وكذا قال مجاهد وغير واحد‏:‏ إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله‏:‏ ‏{‏ليس عليكم جناح أن تتبغوا فضلا من ربكم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ويذكروا اسم اللّه في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ الأيام المعلومات أيام العشر، وهو مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد بن حنبل، وقال البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما العمل في أيام أفضل منها في هذه‏)‏ قالوا‏:‏ ولا الجهاد في سبيل اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ولا الجهاد في سبيل اللّه إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء‏)‏، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما من أيام أعظم عند اللّه ولا أحب إليه العلم فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد‏)‏، وقال البخاري‏:‏ وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، وقد روي عن جابر مرفوعاً أن هذا هو العشر الذي أقسم اللّه به في قوله‏:‏ ‏{‏والفجر وليال عشر‏}‏؛ وقال بعض السلف‏:‏ إنه المراد بقوله‏:‏ ‏{‏وأتممناها بعشر‏}‏‏.‏

وفي سنن أبي داود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يصوم هذا العشر، وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة، وقد سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن صيام يوم عرفة فقال‏:‏ أحتسب على اللّه أن يكفر السنة الماضية والآتية ‏"‏أخرجه الإمام مسلم في صحيحه‏"‏، ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند اللّه، وبالجملة فهذا العشر قد قيل إنه أفضل أيام السنة كما نطق به الحديث، وفضّله كثير على عشر رمضان الأخير، لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيرها، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه، وقيل ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر؛ وتوسط آخرون فقالوا‏:‏ أيام هذا أفضل وليالي ذاك أفضل؛ وبهذا يجتمع شمل الأدلة واللّه أعلم، قول ثان في الأيام المعلومات‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ الأيام المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده؛ وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه‏.‏ قول ثالث عن نافع عن ابن عمر كان يقول‏:‏ الأيام المعلومات المعدوات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدوات ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهو مذهب الإمام مالك بن أنَس‏.‏ قول رابع‏"‏‏:‏ إنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده وهو مذهب أبي حنيفة، وقوله‏:‏ ‏{‏على ما رزقهم من بهيمة الأنعام‏}‏ يعني الإبل والبقر والغنم كما فصلها تعالى في سورة الأنعام‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير‏}‏ استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ فأكل من لحمها وحسا من مرقها، وقال مالك أحب أن يأكل من أضحيته، لأن اللّه يقول‏:‏ ‏{‏فكلوا منها‏}‏، وقال سفيان الثوري عن إبراهيم ‏{‏فكلوا منها‏}‏ قال‏:‏ المشركون لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن لم يشأ لم يأكل‏.‏ وعن مجاهد في قوله‏:‏

‏{‏فكلوا منها‏}‏ قال‏:‏ هي كقوله‏:‏ ‏{‏فإذا حللتم فاصطادوا‏}‏ ‏{‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض‏}‏، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏البائس الفقير‏}‏ قال عكرمة‏:‏ هو المضطر الذي يظهر عليه البؤس وهو الفقير المتعفف، وقال مجاهد‏:‏ هو الذي لا يبسط يده‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هو الزَّمِن‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ هو الضرير، وقوله‏:‏ ‏{‏ثم ليقضوا تفثهم‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ هو وضع الإحرام من حلق الرأس، ولبس الثيابن وقص الأظافر ونحو ذلك، وقوله‏:‏ ‏{‏وليوفوا نذورهم‏}‏ يعني نحر ما نذر من أمر البدن، وقال مجاهد ‏{‏وليوفوا نذورهم‏}‏ نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج، وعنه‏:‏ كل نذر إلى أجل، وقوله‏:‏ ‏{‏وليطوفوا بالبيت العتيق‏}‏ قال مجاهد‏:‏ يعني الطواف الواجب يوم النحر، وقال أبو حمزة قال، قال لي ابن عباس‏:‏ أتقرأ سورة الحج، يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وليطوفوا بالبيت العتيق‏}‏‏؟‏ فإن آخر المناسك الطواف بالبيت العتيق ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس‏"‏، قلت‏:‏ وهكذا صنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإنه لما رجع إلى مِنى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت، وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه قال‏:‏ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، وقوله‏:‏ ‏{‏بالبيت العتيق‏}‏، قال الحسن البصري في قوله‏:‏ ‏{‏وليطوفوا بالبيت العتيق‏}‏ قال‏:‏ لأنه أول بيت وضع للناس، وقال خصيف‏:‏ إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار قط‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ لم يرده أحد بسوء إلا هلك، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار‏)‏ ‏"‏أخرجه الترمذي عن عبد اللّه بن الزبير مرفوعاً وكذا رواه ابن جرير وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن غريب‏"‏‏.‏ روي مرفوعاً ومرسلاً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏30 ‏:‏ 31‏)‏

‏{‏ ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ‏.‏ حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ‏}‏

يقول تعالى هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك وما يلقى عليها من الثواب الجزيل، ‏{‏ومن يعظم حرمات اللّه‏}‏ أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ‏{‏فهو خير له عند ربه‏}‏ أي فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات واجتناب المحظورات‏.‏ قال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏ذلك ومن يعظم حرمات اللّه‏}‏ قال‏:‏ الحرمات مكة والحج والعمرة وما نهى اللّه عنه من معاصيه كلها، وقوله‏:‏ ‏{‏وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم‏}‏ أي أحللنا لكم جميع الأنعام، وقوله‏:‏ ‏{‏إلا ما يتلى عليكم‏}‏ أي من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير اللّه به والمنخقة الآية، قال ذلك ابن جرير وحكاه عن قتادة، وقوله‏:‏ ‏{‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور‏}‏، أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك باللّه بقول الزور، كقوله‏:‏ ‏{‏قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على اللّه ما لا تعلمون‏}‏ ومنه شهادة الزور‏.‏ وفي الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ألا أنبئكم بأكبر الكبائر‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ بلى يا رسول اللّه، قال‏:‏ ‏(‏الإشراك باللّه وعقوق الوالدين - وكان متكئاً فجلس - فقال‏:‏ ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور‏)‏؛ فما زال يكررها حتى قلنا‏:‏ ليته سكت‏.‏ وعن خريم بن فاتك الأسدي قال‏:‏ صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الصبح فلما انصرف قام قائماً، فقال‏:‏ ‏(‏عدلت شهادة الزور الإشراك باللّه عزَّ وجلَّ‏)‏، ثم تلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به‏}‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد في المسند‏"‏، وقوله‏:‏ ‏{‏حنفاء للّه‏}‏‏:‏ أي مخلصين له الدين منحرفين عن الباطل قصداً إلى الحق، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏غير مشركين به‏}‏، ثم ضرب للمشرك مثلاً في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال‏:‏ ‏{‏ومن يشرك باللّه فكأنما خر من السماء‏}‏ أي سقط منها، ‏{‏فتخطفه الطير‏}‏ أي تقطعه الطيور في الهواء، ‏{‏أو تهوي به الريح في مكان سحيق‏}‏ أي بعيد، مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء‏:‏ أن الكافر إذا توفته ملائكة الموت وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحاً من هناك، ثم قرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏32 ‏:‏ 33‏)‏

‏{‏ ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ‏.‏ لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ هذا ‏{‏ومن يعظم شعائر اللّه‏}‏ أي أوامره، ‏{‏فإنها من تقوى القلوب‏}‏، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال ابن عباس‏:‏ تعظيمها استسمانها واستحسانها‏.‏ وقال أبو أمامة عن سهل‏:‏ كنَّا نسمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمِّنون ‏"‏رواه البخاري في صحيحه‏"‏‏.‏ وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏دم عفراء أحب إلى اللّه من دم سوداوين‏)‏، رواه أحمد وابن ماجه، قالوا‏:‏ والعفراء - هي البيضاء بياضاً ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضاً لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، وفي سنن ابن ماجه عن أبي رافع أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوئين، وعن علي رضي اللّه عنه قال‏:‏ أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة، ولا شرقاء ولا خرقاء؛ وعن البراء قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أربع لا تجوز في الأضاحي‏:‏ العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ضلعها، والكسيرة التي لا تنقى‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي‏"‏، وهذه العيوب تنقص اللحم لضعفها وعجزها عن اسكتمال الرعي، لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ التضحية بها عند الشافعي وغيره من الأئمة كما هو ظاهر الحديث، ولهذا جاء في الحديث‏:‏ أمرنا النبي صلى اللّه عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن أي أن تكون الهدية أو الأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما روى عبد اللّه بن عمر‏:‏ أهدي عمر نجيباً فأعطي بها ثلثمائة دينار، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه إني أهديت نجيباً فأعطيت بها ثلثمائة دينار، أفابيعها وأشتري بثمنها بدناً‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا، إنحرها إياها‏)‏ ‏"‏رواه الإمام أحمد وأبو داود‏"‏‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ البدن من شعائر اللّه، وقال محمد بن أبي موسى‏:‏ الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن من شعائر اللّه؛ وقال ابن عمر‏:‏ أعظم الشعائر البيت‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لكم فيها منافع‏}‏ أي لكم في البدن منافع من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها إلى أجل مسمى، قال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏لكم فيها منافع إلى أجل مسمى‏}‏ قال‏:‏ الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هدياً ذهب ذلك كله كذا قال عطاء والضحاك وقتادة وغيرهم‏"‏، وقال آخرون‏:‏ بل له أن ينتفع بها وإن كانت هدياً إذا احتاج إلى ذلك؛ كما ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة قال‏:‏ ‏(‏اركبها‏)‏ قال‏:‏ إنها بدنة، قال‏:‏ ‏(‏اركبها ويحك‏)‏ في الثانية أو الثالثة، وفي رواية لمسلم‏:‏ ‏(‏اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها‏)‏‏.‏ وعن علي أنه رأى رجلاً يسوق بدنة ومعها ولدها، فقال‏:‏ لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها، وقوله‏:‏ ‏{‏ثم محلها إلى البيت العتيق‏}‏ أي محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق وهو الكعبة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هديا بالغ الكعبة‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏والهدي معكوفا أن يبلغ محله‏}‏‏.‏ وقال عطاء، كان ابن عباس يقول‏:‏ كل من طاف بالبيت فقد حل، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ثم محلها إلى البيت العتيق‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏34 ‏:‏ 35‏)‏

‏{‏ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين ‏.‏ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ‏}‏

يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم اللّه مشروعاً في جميع الملل، قال ابن عباس ‏{‏مَنْسكا‏}‏‏:‏ عيداً، وقال عكرمة‏:‏ ذبحاً، وقال زيد بن أسلم في قوله‏:‏ ‏{‏ولكل أمة جعلنا منسكا‏}‏‏:‏ إنها مكة لم يجعل اللّه لأمة منسكاً غيرها، وقوله‏:‏ ‏{‏ليذكروا اسم اللّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام‏}‏ كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال‏:‏ أتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين فسمَّى وكبر ووضع رجله على صفاحهما، وقال الإمام أحمد بن حنبل عن زيد بن أرقم قال، قلت أو قالوا‏:‏ يا رسول اللّه ما هذه الأضاحي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏سنة أبيكم إبراهيم‏)‏، قالوا‏:‏ ما لنا منها‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بكل شعرة حسنة‏)‏، قالوا‏:‏ فالصوف‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بكل شعرة من الصوف حسنة‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد في المسند‏"‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فإلهكم إله واحد فله أسلموا‏}‏ أي معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضاً، فالجميع يدعون إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، ‏{‏وما أرسلنا من

قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فله أسلموا‏}‏ أي أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته، ‏{‏وبشر المخبتين‏}‏ قال مجاهد‏:‏ المطمئنين، وقال الضحاك‏:‏ المتواضعين، وقال السدي‏:‏ الوجلين، وقال الثوري‏:‏ المطمئنين الراضين بقضاء اللّه المستسلمين له، وأحسن ما يفسر بما بعده وهو قوله‏:‏ ‏{‏الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم‏}‏ أي خافت منه قلوبهم، ‏{‏والصابرين على ما أصابهم‏}‏ أي من المصائب، قال الحسن البصري‏:‏ واللّه لنصبرن أو لنهلكن، ‏{‏والمقيمي الصلاة‏}‏ أي المؤدين حق اللّه فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه، ‏{‏ومما رزقناهم ينفقون‏}‏ أي وينفقون ما آتاهم اللّه من طيب الرزق على أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على حدود اللّه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏36‏)‏

‏{‏ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ‏}‏

يقول تعالى ممتناً على عبيده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره، وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام بل هي أفضل ما يهدى إليه‏.‏ قال عطاء ‏{‏والبدن‏}‏ البقرة والبعير وكذا روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري وقال مجاهد‏:‏ إنما البدن من الإبل، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين‏:‏ أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعاً كما صح الحديث، ثم جمهور العلماء على أنه تجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، كما ثبت عن جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نشترك في الأضاحي‏:‏ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة ‏"‏أخرجه الإمام مسلم في صحيحه‏"‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لكم فيها خير‏}‏ أي ثواب في الدار الآخرة، لما روي عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى اللّه من إهراق دم وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من اللّه بمكان قبل أن يقع من الأرض فَطِيبُوا بها نفساً‏)‏ ‏"‏رواه ابن ماجه والترمذي و حسنه‏"‏، وقال سفيان الثوري‏:‏ كان أبو حازم يستدين ويسوق البدن، فقيل له‏:‏ تستدين وتسوق البدن‏؟‏ فقال‏:‏ إني سمعت اللّه يقول ‏{‏لكم فيها خير‏}‏، وقال مجاهد ‏{‏لكم فيها خير‏}‏ قال‏:‏ أجر ومنافع، وقال إبراهيم النخعي‏:‏ يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها، وقوله‏:‏ ‏{‏فاذكروا اسم اللّه عليها صواف‏}‏، وعن جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ صليت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال‏:‏ ‏(‏بسم اللّه واللّه أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأبو داود والترمذي‏"‏‏.‏ وروى محمد بن إسحاق عن جابر قال‏:‏ ضحى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكبشين في يوم عيد فقال حين وجههما‏:‏ ‏(‏وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين * إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين لا شريك له بذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته‏)‏، ثم سمَّى وكبر وذبح‏.‏

وعن علي بن الحسين عن أبي رافع أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول‏:‏ ‏(‏اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول‏:‏ ‏(‏هذا عن محمد وآل محمد‏)‏ فيطعمها جميعاً للمساكين ويأكل هو وأهله منهما ‏"‏رواه أحمد وابن ماجه‏"‏‏.‏ وقال الأعمش عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فاذكروا اسم

اللّه عليها صواف‏}‏ قال‏:‏ قياماً على ثلاث قوائم معقولة يدها اليسرى يقول‏:‏ باسم اللّه واللّه أكبر لا إله إلا اللّه، اللهم منك ولك، وقال ليث عن مجاهد‏:‏ إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث‏.‏ وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنة وهو ينحرها فقال‏:‏ ابعثها قياماً مقيدة سنّة أبي القاسم صلى اللّه عليه وسلم‏"‏أخرجه البخاري ومسلم‏"‏، وعن جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه‏:‏ كانوا ينحرون البدون معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها ‏"‏رواه أبو داود في سننه‏"‏‏.‏ وقال العوفي عن ابن عباس ‏{‏فإذا وجبت جنوبها‏}‏ يعني نحرت، وقال ابن أسلم‏:‏ ‏{‏فإذا وجبت جنوبها‏}‏ يعني ماتت؛ وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها، وقد جاء في حديث مرفوع‏:‏ ‏(‏لا تعجلوا النفوس أن تزهق‏)‏، ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏إن اللّه كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم في صحيحه‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر‏}‏ قال بعض السلف‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فكلوا منها‏}‏ أمر إباحة، وقال مالك‏:‏ يستحب ذلك، وقال غيره يجب، واختلفوا في المراد بالقانع والمعتر، فقال ابن عباس‏:‏ القانع المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر الذي يتعرض لك ويلم بك أن تعطيه من اللحم ولا يسأل، وكذا قال مجاهد، وقال ابن عباس‏:‏ القانع المتعفف، والمعتر السائل وهذا قول قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه ، وقال سعيد ابن جبير‏:‏ القانع هو السائل، أما سمعت قول الشماخ‏:‏

لمَالُ المرءِ يصلحه فيغني * مفاقَره أعفُّ من القنوع

أي‏:‏ يغني من السؤال، وقال زيد بن أسلم‏:‏ القانع المسكين الذي يطوف، والمعتر الصديق والضعيف الذي يزور، واختار ابن جرير‏:‏ أن القانع هو السائل لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال، والمعتر من الاعتراء وهو الذي يتعرص لأكل اللحم، وفي الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال للناس‏:‏ ‏(‏إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وادخروا ما بدا لكم‏)‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏فكلوا وادخروا وتصدقوا‏)‏‏.‏

 مسْألة

عن البراء بن عازب قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء‏)‏ ‏"‏أخرجاه في الصحيحين‏"‏، فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء‏:‏ إن أول وقت ذبح الأضاحي إذا طلعت الشمس يوم النحر ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد‏:‏ وأن يذبح الإمام بعد ذلك، لما جاء في صحيح مسلم‏:‏ وأن لا تذبحوا حتى يذبح الإمام، وقال أبو حنيفة‏:‏ أما أهل السواد من القرى ونحوها فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم، وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام واللّه أعلم‏.‏ ثم قيل‏:‏ لا يشرع الذبح إلا يوم النحر وحده، وقيل‏:‏ يوم النحر ويوم بعده للجميع، وقيل‏:‏ ويومان بعده، وبه قال الإمام أحمد، وقيل‏:‏ يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده، وبه قال الشافعي، لحديث جبير بن مطعم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أيام التشريق كلها ذبح‏)‏ ‏"‏رواه الإمام أحمد وابن حبان‏"‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون‏}‏، يقول تعالى من أجل هذا ‏{‏سخرناها لكم‏}‏ أي ذللناها لكم وجعلناها منقادة لكم خاضعة إن شئتم ركبتم وإن شئتم حلبتم وإن شئتم ذبحتم ‏{‏كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏37‏)‏

‏{‏ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين ‏}‏

يقول تعالى إنما شرع لكم نحر هذه الضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فهو الغني عما سواه، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏لن ينال اللّهَ لحومُها ولا دماؤها‏}‏‏.‏ عن ابن جريج قال‏:‏ كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ فنحن أحق أن ننضح فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم‏"‏أي يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح‏:‏ ‏(‏إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم‏)‏‏.‏ وجاء في الحديث‏:‏ ‏(‏إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من اللّه بمكان قبل أن يقع إلى الأرض‏)‏ ‏"‏تقدم الحديث عن عائشة مرفوعاً وقد رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه‏"‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كذلك سخرها لكم‏}‏ أي من أجل ذلك سخر لكم البدن ‏{‏لتكبروا اللّه على ما هداكم‏}‏ أي لتعظموه على ما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه، وقوله‏:‏ ‏{‏وبشر المحسنين‏}‏ أي وبشر يا محمد المحسنين في عملهم، القائمين بحدود اللّه، المتبعين ما شرع لهم، المصدّقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه عزَّ وجلَّ‏.‏

 الآية رقم ‏(‏38‏)‏

‏{‏ إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ‏}‏

يخبر تعالى‏:‏ أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أليس اللّه بكاف عبده‏}‏‏؟‏ وقال‏:‏ ‏{‏ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إن اللّه لا يحب كل خوان كفور‏}‏ أي لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال، والكفر‏:‏ والجحد للنعم فلا يعترف بها‏.‏

 الآية رقم ‏(‏39 ‏:‏ 40‏)‏

‏{‏ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ‏.‏ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة، وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف‏:‏ هذه أول آية نزلت في الجهاد، وقال ابن جرير عن سعيد بن جبير عن

ابن عباس قال‏:‏ لما أخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة قال أبو بكر‏:‏ أخرجوا نبيهم إنا للّه وإنا إليه راجعون ليهلكن، قال ابن عباس‏:‏ فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير‏}‏، قال أبو بكر رضي اللّه عنه‏:‏ فعرفت أنه سيكون قتال، زاد أحمد‏:‏ وهي أول آية نزلت في القتال ‏"‏أخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإن اللّه على نصرهم لقدير‏}‏ أي هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته كما قال‏:‏ ‏{‏ذلك ولو يشاء اللّه لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل اللّه فلن يضل اللّه أعمالهم‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم‏}‏ والآيات في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وإن اللّه على نصرهم لقدير‏}‏ وقد فعل، وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عدداً، فلو أمر المسلمون وهم أقل بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكانوا نيفاً وثمانين قالوا‏:‏ يا رسول اللّه ألا نميل على أهل الوادي، يعنون أهل منى ليالي منى فنقتلهم‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إني لم أومر بهذا‏)‏، فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى اللّه عليه وسلم من بين أظهرهم، وهموا بقتله وشردوا أصحابه، فلما استقروا بالمدينة وصارت لهم دار إسلام، ومعقلاً يلجئون إليه، شرع اللّه جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أذن

للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن اللّه على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق يعني محمداً وأصحابه، ‏{‏إلا أن يقولوا ربنا اللّه‏}‏ أي ما كان لهم إساءة ولا ذنب، إلا أنهم وحدوا اللّه وعبدوه لا شريك له، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا باللّه ربكم‏}‏، وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود‏:‏ ‏{‏وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد‏}‏‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض‏}‏ أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم، بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف، ‏{‏لهدمت صوامع‏}‏ وهي المعابد للرهبان قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم وقال قتادة‏:‏ هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه‏:‏ صوامع المجوس، ‏{‏وبيع‏}‏ وهي أوسع منها وهي للنصارى أيضاً، وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره‏:‏ أنها كنائس اليهود، وعن ابن عباس‏:‏ أنها كنائس اليهود، وقوله‏:‏ ‏{‏وصلوات‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ الصلوات الكنائس، وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة‏:‏ إنها كنائس اليهود وهم يسمونها صلوات، وحكى السدي عن ابن عباس‏:‏ أنها كنائس النصارى، وقال أبو العالية وغيره‏:‏ الصلوات معابد الصابئين‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الصلوات مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام بالطرق، وأما المساجد فهي للمسلمين‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يذكر فيها اسم اللّه كثيرا‏}‏، فقد قيل‏:‏ الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏يذكر فيها‏}‏ عائد إلى المساجد لأنها أقرب المذكورات، وقال الضحاك‏:‏ الجميع يذكر فيها اللّه كثيراً، وقال ابن جرير‏:‏ الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود وهي كنائسهم ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم اللّه كثيراً، لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب‏.‏ وقال بعض العلماء‏:‏ هذا تَرَقٍ من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عُمّاراً وأكثر عبَّاداً، وهم ذوو القصد الصحيح‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولينصرن اللّه من ينصره‏}‏، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقدامكم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إن اللّه لقوي عزيز‏}‏ وصف نفسه بالقوة والعزة؛ فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديراً وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كتب اللّه لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه لقوي عزيز‏}‏‏.‏